
الصباح من جديد .. فنجان قهوة وربما سيجارة أيضا لبدايه صباح آخر
أتجول شبه عارية بين غرف منزلى
أبحث عنها
نسمة باردة ... المحها بين ثنايا روحى هذا الصباح
يبدو انة لا أمل فى مواجهتها اليوم
ولا رغبة لدى فى مواصلة البحث
ينبض هاتفى بالحياة ليعلن صوت عزيز انه متوجة الى الأتيليه الآن
أرد بكسل فطرى ... نصف ساعه يا عزيز ... سأتأخر نصف ساعة
بعد عشر دقائق تبدأ أولى خطواتى فى طريق يحفظ خُطاى
نفس الابتسامات .. نفس الوجوة
بائع الجرائد ... بائعة الورود ... أطفال المدارس
أبتسم كذلك
ابتسامة فقدت طابعها المعنوى
لك الله يا عزيز
فاعقلى يصر على رتابة الواقع اليوم وستكون صحبتى مرضٌ ليس أكثر ... اذن لنجعلة يوما سريعا ليمضى بسلام
أصوات صراخ على أول الطريق جذبتنى .. أم بائسة وطفلة لا مبالية
تقترب خطواتى منهما فى رتابة
و أقف بقربهما ننتظر المترو سويا
واحد , اثنين , ثلاثة ,, خمسة ,,,,, عشرة
تتابع الفتاة فى العد
وتتابع الأم فى صراخ غير مُـجدى مع الفتاة
وأحاول أنا التركيز فيما تُـعد
أحاول ثانية أن أتابع العد مع الطفله
أقترب قليلا وتبتسم شفتاى بلغة الفضول
أضع يدى على شعر الصغيرة ... لكنها لا تلتفت و تستمر فى لعبة العد الرتيبة
اسمها عليا
تقولها والدتها متنهدة
وتشرد بعينيها بعيدا وتبدأ فى سرد لم تطلبة شفتاى
التوحد
جميعهم قالوا هذا
لم نفهم أنا و والدها كنه هذا المرض فى البدايه ... فتعليمنا بسيطا على قد الحال يا بنيتى
ليتهم فقط يعطونا مجرد أدوية لها ميعاد أواظب عليه
هكذا أفهم أنا
هكذا تربينا
نمرض ... نذهب للطبيب ... يوصف العلاج ونشفى غالبا
لا أفهم كنه مرضها الى الآن ... أعرف فقط أن صغيرتى لا يقبلها طبيب الا الطبيب النفسى
أذهب بها كل يوم أربعاء متجاهلة نظرات الجيران ومصمصة الشفاة
لكنِ مازلت لا أفهم
ولدت عليا ولادة طبيعية كان وزنها 3 كيلو ونصف وتلقت رضاعة طبيعية من صدرى
كانت هادئة جدا عندما كانت طفلة رضيعة ... لا أسمع لها صوت
ولا تتفاعل بنظراتى و ضحكاتى لها
وعندما بدأ الخوف ينهش قلبى لم يسمعنى أحد
فلقد كانت سليمة أمام الجميع
لكنة قلب الأم ... قلب الأم يا بنيتى
تصورى لم تنطق بأى كلمة الا بعد أن أتمت سنواتها الثلاث بشهور قليلة
الآن تقول ماما - بابا - وتستطيع العد الى عشرة
***
صمتت أم عليا هنيهة
وتركت يد الصغيرة للحظة لتمسح وجهها بظهر يدها
ونظرت الى صغيرتها فى حزن ثم استرسلت الحكى
***
عندما تريد شيئا تسحبنى من يدى و تصدر أصوات غير مفهومة
أصوات تحاصرنى بها دائما
أحاول أن أُرَاضِيها .. أفهمها .. أهدئها بلا جدوى
تظل فى الصراخ بلا ملل
أبكى معها ... أبكى من غُـلبى ومن الأيام
تأتى عليها أيام تقضى وقتها كله بالجرى والصراخ
أحيانا كثيرة لاتلتفت الىّ عندما أناديها مع انى متأكدة انها تسمعنى
لا تهتم بأقرانها من الأطفال ... لا تهتم بأى فرد من أفراد العائلة
فقط عندما تهدأ تقف فى الشرفة وتبدأ فى العد من جديد
هكذا كما تفعل الآن
عندها توقفت عن الحكى و تنهدت
ونظرت الى الكون بعين زجاجية
ثم انحنت قليلا لتضع قبلة مبلله بالدموع على يد صغيرتها
وتضرعت هامسة
لنا الله
لنا الله ياصغيرتى
رحلت أم عليا وطفلتها فى الزحام
سالبة منى ابتسامة الصباح المفقودة
ابتسامة ربما لم تراها لكن خفق بها قلبى






